يُعد النمل من أنجح المخلوقات وأكثرها قدرة على التكيف على الأرض، بفضل تشريحه المتخصص. فقد تطوّر كل جزء من أجسامه بما يخدم البقاء والعمل الجماعي والأدوار الفريدة التي يؤديها داخل مستعمراته. يشرح هذا المقال التشريح الخارجي والداخلي للنملة، ويقدّم لمحة عامة عن أجزاء جسمها المختلفة وكيف تساعدها هذه الأجزاء على إنجاز المهام الأساسية.
التشريح الخارجي للنملة
يتألف التشريح الخارجي للنملة من ثلاثة أقسام رئيسية للجسم: الرأس، والميزوسوما أو الألترونك (المعروف أيضًا باسم الصدر)، والميتاسوما (التي يُشار إليها غالبًا باسم البطن).

لكل قسم أجزاء ووظائف مختلفة تتيح للنمل التفاعل مع بيئته وجمع الطعام والتواصل والدفاع عن المستعمرة.
1. الرأس
يقع الرأس حيث توجد أعضاء الاستشعار لدى النملة. وتتيح هذه الأعضاء للنمل استكشاف البيئة واستشعار الخطر والعثور على الطعام والتواصل مع النملات الأخرى. وتشمل الأجزاء الرئيسية من رأس النملة قرني الاستشعار والعينين والفكّين وبنية خاصة تُسمّى الكليبيوس.
- قرنا الاستشعار: لدى النمل قرنا استشعار مقسّمان إلى أجزاء على الرأس، يستخدمهما لاستشعار الروائح وتحسس الأشياء والتواصل. وهما شديدا الحساسية للإشارات الكيميائية، أو الفيرومونات، التي يستخدمها النمل للتعرّف بعضه على بعض، وتحديد المسارات المؤدية إلى الطعام، وإطلاق التحذيرات. كما يمكنهما استشعار الاهتزازات، ما يساعد النمل على فهم ما يحيط به.

رأس Rhytidoponera victoriae، لاحظ العيون المركبة
- العيون المركبة: تتكوّن عيون النمل المركبة من وحدات صغيرة كثيرة تُسمّى أوماتيديا، ما يمنح النمل مجال رؤية واسعًا. لكن العيون المركبة لا ترى التفاصيل بوضوح مثل عيون البشر. ويعتمد النمل على قرون الاستشعار لاستكشاف بيئته أكثر من اعتماده على عينيه. ولدى كثير من النملات العاملات عيون مركبة أصغر، لأن تركيزها الأساسي ينصبّ على المهام داخل المستعمرة بدلًا من الرؤية لمسافات بعيدة.
- الفكّان: هما الفكّان الكبيران والقويان للنملة. تستخدمهما النملات في أمور كثيرة، مثل حمل الطعام وحفر الأعشاش ومقاومة المفترسات. لبعض النملات فكّان قويان جدًا، قادران على قطع المواد الصلبة أو حتى الدفاع ضد التهديدات.
- الكليبيوس: الكليبيوس جزء مسطح من الهيكل الخارجي للنملة، يوجد في مقدمة الرأس فوق الفم مباشرةً. يساعد على توجيه الطعام إلى الفم، ويمكن أن يساعد في إطباق الفكّين، ما قد يكون مفيدًا في بعض الحركات الدفاعية أو أعمال الحفر.
2. الميزوسوما (الصدر)
الميزوسوما هو الجزء من الجسم الذي يحتوي على العضلات التي يستخدمها النمل للحركة. ويُشار إليه أحيانًا باسم الصدر، مع أنه يشمل جزءًا مما يُسمى «الأليترنك» لدى النمل. وتتصل بهذا الجزء الأرجل والأجنحة (لدى بعض أنواع النمل).
- الأرجل: للنمل ست أرجل مقسمة إلى أجزاء، ما يمنحه توازنًا ممتازًا وقدرة عالية على الحركة. وتتكون كل رجل من عدة أجزاء تتيح لها المرونة. وفي نهاية كل رجل مخالب تُسمى الرسغيات، تساعد النمل على التسلق والتشبث بالأسطح. وتكون أرجل النمل العاملات متطورة على نحو خاص، إذ تتولى العاملات معظم الحركة وجمع الغذاء للمستعمرة.

غالبًا ما تكون لدى ملكات النمل وذكوره أجنحة (حقوق الصورة: Benjamin Burgunder)
- مواضع اتصال الأجنحة: مع أن معظم النمل بلا أجنحة، تنمو لدى أفراد التكاثر، مثل الملكات والذكور، أجنحة تستخدمها في رحلة تزاوج خاصة. وخلال هذه الرحلات، تغادر الملكات والذكور المستعمرة للتزاوج. وبعد التزاوج، تتخلص أنثى النمل (الملكة) من أجنحتها وتبدأ مستعمرة جديدة، بينما يموت الذكور عادةً بعد الرحلة بوقت قصير. أما العاملات، وهي النمل الذي تراه عادةً، فبلا أجنحة.

تشتهر Polyrachis armata (النمل الشوكي) بأشواك البروبوديوم الكبيرة والأشواك السويقية (حقوق الصورة: Martin Ho)
- شوكة البروبوديوم: شوكة البروبوديوم هي زوج من النتوءات الشوكية أو المدببة الموجودة على البروبوديوم، وهو الجزء الخلفي من ميزوسوما النملة (الجزء الأوسط من الجسم). لا تمتلك جميع أنواع النمل هذه الأشواك، لكنّها قد تكون لدى الأنواع التي تمتلكها تكيفًا دفاعيًا يساعد على ردع المفترسات بجعل الإمساك بالنملة أكثر صعوبة.
3. السويقة (الخصر)

غالبًا ما يُستدل على النمل من شكل السويقة. وتتيح بعض أشكال السويقة مزيدًا من المرونة والقدرة على اللسع.
السويقة قطعة صغيرة ضيقة تصل الميزوسوما (الجزء الأوسط) بالغازتر (الجزء الخلفي) من جسم النملة. لدى معظم النمل، تتألف السويقة من قطعة واحدة أو قطعتين، وتشكّل «خصرًا» يمنح النمل شكله المميز. تؤدي هذه البنية دورًا مهمًا في المرونة والحركة، إذ تتيح للنمل تحريك الغازتر، وهو أمر ضروري لأنشطة مثل اللسع أو رش المواد الكيميائية الدفاعية أو ترك مسارات الفيرومونات. إن وجود السويقة هو ما يميّز النمل عن النحل والدبابير.
4. الغازتر (البطن)
الجزء الأخير من جسم النملة هو الميتاسوما، ويحتوي على أعضاء الهضم والتكاثر (لدى الملكات والذكور)، وعلى سلاح دفاعي: آلة اللسع، لدى بعض الأنواع.
- السويقة وما بعد السويقة: هذان رابطان رفيعان ومرنان بين الميزوسوما والغازتر، ويشكّلان «خصر» النملة. ويسمحان للغازتر بالحركة في اتجاهات مختلفة، ما يساعد على اللسع والانحناء وتحريك البطن إلى الوضع المناسب لمختلف المهام.
- البطن: البطن هو أكبر جزء من المِتَزُوم، ويحتوي على معظم الأعضاء الداخلية للنملة، مثل المعدة والأعضاء التناسلية. وينتهي البطن بلسعة لدى بعض أنواع النمل. تحقن اللسعة السم لحماية النملة أو لمساعدتها على اصطياد الطعام.

لسعة النملة الرصاصة (حقوق الصورة: نكست جين ساينتست)
- اللسعة: اللسعة بنية حادة تشبه الإبرة، تقع عند نهاية البطن لدى أنواع كثيرة من النمل. وهي متصلة بغدة السم، ويمكنها حقن السم عندما تشعر النملة بالتهديد. وتُعد اللسعة وسيلة دفاع فعالة، تُستخدم لحماية المستعمرة وإخضاع الفرائس.
- الفتحة الحمضية: الفتحة الحمضية بنية صغيرة متخصصة توجد عند طرف البطن في النمل المنتمي إلى فُصيلة النمليات (مثل النمل النجار). وبدلًا من اللسعة، تمتلك هذه النملات فتحة حمضية ترش حمض الفورميك، وهو مادة سامة تُستخدم للدفاع.
التشريح الداخلي للنملة

التشريح الداخلي لنملة، حقوق الصورة لإلين ماكهنري
توجد داخل جسم النملة أعضاء وأجهزة تؤدي وظائف حيوية أساسية، مثل هضم الطعام والتنفس وتحريك الدم ومعالجة المعلومات الحسية. ولدى النمل أعضاء كثيرة تشبه أعضاء الحشرات الأخرى، لكنها مرتبة بطرق فريدة تلائم نمط حياته.
1. الجهاز العصبي
يساعد الجهاز العصبي النملة على الاستجابة لما يحيط بها، والتحكم في جسمها، والتواصل مع غيرها.

يسارًا: رسم توضيحي للحبل العصبي البطني لدى النملة. يمينًا: دماغ النملة
- الدماغ: يقع الدماغ في الرأس، ويعالج جميع المعلومات الحسية التي تجمعها النملة بواسطة عينيها وقرني استشعارها وحواسها الأخرى. ويُعرف النمل بذكائه نسبةً إلى حجمه. فهو قادر على تذكّر المسارات، والتواصل برسائل معقدة باستخدام الفيرومونات، والتكيف مع بيئته، وكل ذلك بفضل دماغه.
- الحبل العصبي البطني: بدلًا من العمود الفقري، تمتلك النملات حبلًا عصبيًا يمتد على طول الجزء السفلي من أجسامها، وتوجد فيه تجمعات من الخلايا العصبية، أو العقد العصبية، في كل حلقة من حلقات الجسم. تساعد هذه العقد على التحكم في العضلات والاستجابة بسرعة للمؤثرات القريبة.
2. الجهاز الهضمي
الجهاز الهضمي لدى النمل مهيأ لمعالجة الطعام ومشاركته بكفاءة داخل المستعمرة.
- المعي الأمامي (الحوصلة): يُسمّى أيضًا «المعدة الاجتماعية»، إذ تستطيع النملات تخزين الطعام السائل فيه لتشاركه لاحقًا مع نملات أخرى. وعندما تعدن إلى المستعمرة، تقلسن هذا الطعام لإطعام النملات الأخريات، وهو سلوك يُعرف باسم التغذية التبادلية.
- المعي الأوسط: يحدث الجزء الأكبر من الهضم وامتصاص العناصر الغذائية في هذا الجزء من الجهاز الهضمي. وتُحلل الإنزيمات الطعام إلى عناصر غذائية يستطيع جسم النملة استخدامها. ويُعرف هذا الجزء أيضاً بأنه معدة النملة الشخصية.

The Digestive System of Prenolepis imparis, or False Honeypot Ants is Visible when Well Fed
- المعي الخلفي: تتكون الفضلات في المعي الخلفي، ثم تُطرح عبر الشرج.
3. الجهاز التنفسي
Ants breathe without lungs, using a system of tiny tubes called tracheae that transport oxygen directly to their cells.
- الجهاز القصبي: يدخل الأكسجين إلى الجسم عبر فتحات صغيرة تُسمى الثغور التنفسية، تقع على جانبي الجسم. وتتفرع القصبات الهوائية لتنقل الأكسجين إلى جميع أجزاء الجسم وتزيل ثاني أكسيد الكربون. ويتميز هذا الجهاز بفاعليته خصوصاً لأنه يتيح للنمل الحصول على الأكسجين حتى عند حمل أوزان ثقيلة أو المرور عبر أماكن ضيقة.
- الثغور التنفسية: الثغور التنفسية فتحات صغيرة تقع على جانبي جسم النملة، وتحديداً على منطقة الصدر والبطن. تسمح بدخول الأكسجين إلى الجهاز التنفسي للنملة، الذي يتكون من شبكة من الأنابيب القصبية تنقل الأكسجين مباشرةً إلى الأنسجة والأعضاء. ويمكن للثغور التنفسية أن تفتح وتغلق لتنظيم تدفق الهواء، ما يساعد النملة على الحفاظ على رطوبتها والحماية من الجسيمات الغريبة.
4. الجهاز الدوري
لدى النمل، شأنه شأن الحشرات الأخرى، جهاز دوري مفتوح، أي إنه لا يمتلك أوعية دموية مثل البشر. وبدلاً من ذلك، تحيط بأعضائه الداخلية سوائل تُسمى الهيمولِمف.
- الوعاء الظهري (القلب): قلب النمل أنبوب طويل ورفيع يضخ الهيمولِمف في أنحاء الجسم. ينقل الهيمولِمف العناصر الغذائية إلى الأعضاء ويساعد على التخلص من الفضلات، لكنه لا ينقل الأكسجين، لأن النمل يتنفس باستخدام جهازه القصبي.
- الهيمولِمف: يؤدي هذا السائل وظيفة الدم نفسها لدى الحيوانات الأخرى، لكنه يكون عادةً شفافاً أو أصفر. وينقل العناصر الغذائية ويساعد على استقرار درجة حرارة جسم النملة.
5. الجهاز التناسلي
لدى النمل التكاثري، مثل الملكات والذكور، أعضاء تناسلية متخصصة للتزاوج. الملكات مسؤولات عن وضع جميع البيوض في المستعمرة، بينما يكون النمل العامل عادةً عقيماً ولا يتكاثر.

Dolichoderus thoracicus، ملكة نمل الكاكاو الأسود والعاملات. في الأعلى: ملكة النمل ومبيضاها، وفي الأسفل: نملة عاملة ومبيضاها، من جوان تزو-تشيا تشين
- المبيضان: ينتج المبيضان لدى الملكات البيوض. ويمكن لبعض الملكات وضع آلاف البيوض خلال حياتها، ما يتيح للمستعمرة أن تنمو بسرعة.
- الخصيتان: تنتج الخصيتان لدى ذكور النمل الحيوانات المنوية، التي ينقلها الذكور إلى الملكة أثناء رحلات التزاوج. وبعد التزاوج، يموت الذكور عادةً، بينما تخزن الملكة الحيوانات المنوية لتخصيب بيوضها.
6. الأعضاء الحسية
بالإضافة إلى عيونها المركبة وقرون استشعارها، لدى النمل عدة تراكيب حسية أخرى تساعده على رصد الحركات والأصوات والاهتزازات في بيئته.

رسم توضيحي لعضو جونستون
- عضو جونستون: يقع هذا العضو في القطعة الثانية من قرن الاستشعار، ويساعد النمل على استشعار الاهتزازات الصوتية، ما يجعله ضروريًا للتواصل والتنقل.
- الحساسات الجرسية: توجد هذه المستقبلات الصغيرة عند مفاصل الأرجل وأجزاء أخرى من الجسم. وهي ترصد الضغط والإجهاد، ما يساعد النمل على تنسيق حركاته.
- الأعضاء الحبلية: أعضاء صغيرة تقع في أجزاء مختلفة من الجسم وتستشعر الاهتزازات. وتتيح للنمل رصد الإشارات الصادرة عن النمل الآخر أو عن البيئة المحيطة، ما يساعده على تجنب الخطر أو العثور على الطعام.
7. العيون
تختلف حاسة البصر لدى النمل كثيرًا بين الأنواع والطبقات. يعتمد بعض النمل بشدة على حاسة البصر، بينما يستخدم غيره الإشارات الكيميائية للتنقل والتعرّف.

رأس Camponotus sp.، الصورة من تصوير Antonio Photography
- العيون الجانبية (العيون المركبة): تتألف هذه العيون من العديد من الأوجه التي تتيح للنمل رصد الحركة. إلا أن العيون المركبة توفر تفاصيل محدودة. وتكون هذه العيون أكبر حجمًا وأكثر تطورًا لدى الأنواع التي يعتمد بقاؤها على الرؤية.
- العيون البسيطة (الأوسيلات): لدى النمل أيضًا ثلاث عيون بسيطة تُسمى أوسيلات أو ستيماتا، وتقع أعلى الرأس. ترصد هذه العيون الضوء وتساعد النمل على تحديد اتجاهه، خاصةً النمل النشط نهارًا.
قراءات إضافية
النمل؛ تركيبه وتطوره وسلوكه. Antwiki. (د.ت.). https://www.antwiki.org/wiki/images/b/b1/Wheeler_1910.pdf
مصطلحات مورفولوجية. AntWiki. (د.ت.). https://www.antwiki.org/wiki/Morphological_Terms
Khila A, Abouheif E. تقييم دور القيود التكاثرية في التطور الاجتماعي للنمل. Philos Trans R Soc Lond B Biol Sci. 2010 Feb 27;365(1540):617-30. https://doi.org/10.1098/rstb.2009.0257.
